الخطيب البغدادي

343

تاريخ بغداد أو تاريخ مدينة السلام ( تحقيق بشار )

فِي خروج الخراساني ، فلما أصبحت من غد ذلك اليوم دخل إلي الغلام ، فَقَالَ : الخراساني الحاجي بالباب يستأذن ، فقلت : ائذن لَهُ ، فدخل ، فَقَالَ : إني كنت عازما عَلَى ما أعلمتك ، ثم ورد عَلِيّ الخبر بوفاة والدي وقد عزمت عَلَى الرجوع إِلَى بلدي ، فتأمر لي بالمال الذي أعطيتك أمس . فورد عَلِيّ أمر لم يرد عَلِيّ مثله قط ، وتحيرت فلم أدر بما أجيبه ، وفكرت فقلت : ماذا أقول للرجل ؟ ثم قُلْتُ لَهُ : نعم ، عافاك اللَّه ، منزلي هذا ليس بالحريز ، ولما أخذت مالك وجهت به إِلَى من هو قبله ، فتعود فِي غد لتأخذه ، فانصرف وبقيت متحيرا لا أدري ما أعمل ؟ إن جحدته قدمني واستحلفني ، وكانت الفضيحة فِي الدنيا والآخرة ، والهتك ، وإن دافعته صاح وهتكني ، وغلظ الأمر علي جدا ، وأدركني الليل وفكرت في بكور الخراساني إلي ، فلم يأخذني النوم ولا قدرت على الغمض ، فقمت إلى الغلام ، فقلت أسرج البغلة ، فقال يا مولاي هذه العتمة بعد ، وما مضى من الليل شيء ، فإلى أين تمضي ؟ فرجعت إلى فراشي فإذا النوم ممتنع ، فلم أزل أقوم إلى الغلام وهو يردني ، حتى فعلت ذلك ثلاث مرات ، وأنا لا يأخذني القرار ، وطلع الفجر فأسرج البغلة وركبت ، وأنا لا أدري أين أتوجه وطرحت عنان البغلة وأقبلت أفكر وهي تسير حتى بلغت الجسر ، فعدلت بي إليه ، فتركتها فعبرت ، ثم قُلْتُ : إِلَى أين أعبر ، وإلى أين أمضي ؟ ولكن إن رجعت وجدت الخراساني عَلَى بابي ، أدعها تمضي حيث شاءت ، ومضت البغلة فلما عبرت الجسر أخذت بي يمنة ناحية دار المأمون ، فتركتها إِلَى أن قاربت باب المأمون والدنيا بعد مظلمة ، فإذا فارس قد تلقاني ، فنظر فِي وجهي ، ثم سار وتركني ، ثم رجع إلي ، فَقَالَ : ألست بأبي حسان الزيادي ؟ قُلْتُ : بلى ، قَالَ : الأمير الْحَسَن بن سهل ، فقلت فِي نفسي : وما يريد